رواية الأقلف لعبد الله خليفة…

تموز 20th, 2009 كتبها فيصل عبد الحسن نشر في , غير مصنف

 

 

 

ضد حياة القطيع  والتطرف الديني ومع البحث عن الخلاص البشري …

121976 

يضعنا  الكاتب  البحريني  عبد الله خليفة في روايته الجديدة الأقلف في إشكالية الصراع العقائدي - الديني - مع الآخر وما حمله المستعمر الأجنبي لمنطقتنا العربية بداية القرن الماضي مما كان يعتقده ضروريا لتكريس وجوده في منطقتنا لفترة طويلة ، فاستخدم الإرساليات التبشيرية ، التي باشرت أعمالها من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لسكان  المناطق  ، وأغلب تلك الإرساليات جاءت على شكل بعثات  صحية وتعليمية لمساعدة السكان العرب ومن خلال عملها ذلك كانت تحتك بهم فكريا وعقائديا لتغيير  قناعاتهم الدينية والفكرية ، بالرغم من أن القائمين  على تلك الإرساليات - كما يخبرنا الروائي في متنه الروائي - غير مؤمنين بما يقومون به من فعل عقائدي وأن عملهم  كان ستارا لتكريس  وجود دولهم  الاستعماري  في  المنطقة من خلال البحث  عن  أتباع  محليين يمكن تجنيدهم بمختلف  وسائل  الإغراء ، ومن بين تلك  الإغراءات  ،  استخدام  الجنس  من  خلال توظيف  الممرضات  الأوربيات  الجميلات  للتأثير  على الشباب المحليين  من السكان  العرب وتغيير  قناعاتهم الدينية ،  كما  في  حالة  علاقة  يحيى - بطل الرواية - وميري الممرضة  في مستشفى الإرسالية  الأمريكية  واللقاءات الغرامية  التي كان يشجعها  تومسون الكنائسي والطبيب  بالمستشفى بيحيى المشرد الذي  لا أصل  له  ولا عائلة  ،  فتجد فيه ميري  النموذج  الأمثل ، للتنصير  ،  وتأتي  الرمزية  العالية  في الرواية عندما  يشير  الروائي  إشارة  دالة  إلى  هذا  النموذج  الروائي ،  الطفل  يحيى  الذي  وجد نفسه  بحالة  لم تكن مألوفة  في مجتمعه ، فهو لم يختن كباقي  الأطفال  في الحي  الذي  يعيش  فيه ، فهو  أقلف  ، لا ينتمي  إلى  ميثولوجيا  وعقائد  - أهل  حيه -  الذين  يعتقدون  بنجاسته بسبب ذلك  وتعود  سنة الختان  إلى النبي  إبراهيم  عليه السلام ،  والختان ميثاق  بينه  وبين   الخالق ،  وقد ورد  ذلك  الميثاق  في  التوراة  في  النص  القائل : - وقال  الله  لإبراهيم  : أما أنت فتحفظ عهدي  بيني  وبينكم  ،  يخـتـتن  كل  منكم ، فتختنون  في  لحم  غرلتكم ، فيكون  علامة عهد بيني وبينكم ،  فيكون  عهدي في لحمكم  عهد أبيا-* 

 

 

التطرف  الديني 

وعبد  الله خليفة عندما اختار بطله من عامة الناس ومن أكثر الطبقات  بؤسا فقد كان يختار النموذج  الذي  يصلح  لممارسة  التغيير  الديني  عليه (التنصير) ،  فيحيى  لقيط  وجدته عجوز صماء وبكماء - والكاتب هنا يشير إلى أن لا تأثير للتربية العائلية على بطله - وأننا  أمام (نموذج  خام)  يمكن  أن يقع  تحت  تأثير  جميع  المؤثرات  الفكرية  المستقبلية ،  وحدبت  عليه هذه  العجوز  بعطفها  وأطعمته  مما  تلتقط  كل يوم من المزابل ، وكبر  يحيى في كوخ  يقع  بين أكواخ  تمتلئ  بعبيد  سابقين ،  وفرق  الرقص ومنازل  الشاذين   وشلل القمار والرجال الازكرت  ليتراءى  له البحر من  الشرق  وإلى  غرب كوخه  تمتد  مستنقعات وأكواخ  متناثرة وبنايات  قليلة ومقابر غريبة - ص 5 -  وبالرغم  من أن  دولة  البحرين ،  جغرافيا  ليست  لها مساحة  كبيرة وشعبها  قليل العدد  ،  وعادة  تكون  البلدان  الكبيرة  هي  الأكثر  مادة  للروائي  حيث  يكون  متنه  الروائي  غنيا  بالأحداث  والشخصيات  والصراعات  وتشابك  المصالح ، إلا  أن -عبد الله خليفة - استطاع أن يجد مادة  مضطرمة  بالتصادمات  الفكرية  كصراع  الأديان  من  جهة ،  وصراع  الدين الواحد من خلال  معتنقيه ،  وعادة  يكون  الصراع  بين  المتطرف  دينيا  وبين  معارضيه  من  الديانة  ذاتها ومعاناة الإنسان  العربي  بسبب تراكم أحقاب  من التخلف ، الثقافي والسياسي ،  والكبت  العام  الذي يعانيه  الشاب العربي في حاجاته  الجسدية  والنفسية ،  وبالرغم  من محدودية  الأجواء  التي  ينتقل  بها  بطل  الرواية ،  والتي  لا تتعدى  الأميال  القليلة ،  التي  هي مساحة  عالمه  الجغرافي إلا  أننا  شعرنا - بسبب  استخدام  الكاتب  للغة  شعرية  في السرد  وحتى  في  الحوار - إننا  إزاء  مساحة جغرافية  مترامية الأطراف ،  وفي مجتمع  ضاج بالمتغيرات والصراعات والحيوات والمستجدات السريعة  وصرخة  البطل  ،  توضح  لنا  مدى  الأزمة  التي  عاناها الكاتب ليكتب لنا نصا كالأقلف يعتمد  الكثير من وجهات النظر  المتعارضة ، واستمع  إلى  صرخة البطل ،  التي  هي في وجه  من الأوجه  صرخة  الكاتب ذاته : أنا لا أنتمي  إلى هذا  الخوص  الكالح ،  ولقضاء  الحاجة  في  الخلاء ،  وللأبواب الواقفة  على زجاجات  تئن ،  ونهارات  رمضان المقفرة ، ولحرق جثث الأطفال  بالأسياخ - ص 85 -  ويصاب  سكان  الحي  الذين  يعيش  بينهم يحيى  بالذهول عندما  يعرفون  بتنصيره ،  فتسأله  عائشة  المبروكة  مدهوشة  : 

 

-  هل   سيعطونك  أرضا  وبيتا عندما  تصير  نصرانيا ؟

-  أبــدا ! !

- إذن  لماذا  تعذب  نفسك  ،  الناس  هنا  لا يفهمون !  -

المزيد


لماذا قتل الأخ الأكبر كل أولئك الكتاب والفنانين؟

تموز 17th, 2009 كتبها فيصل عبد الحسن نشر في , غير مصنف


فيصل عبد الحسن

121805

 

(1)
الأخ الأكبر ـ حسب رواية الروائي جورج أور ويول (أسم مستعار لإريك بلير) الكاتب البريطاني المعروف في روايته المشهورة 1984 ـ هو الذي يراقب كل شيء تقوم به ويحاسب علي كل شيء لا يروقه ويدير الدولة بيد من حديد ولا تأخذه بالناس شفقة ولا رحمة في دكتاتورية مطلقة كأنما كان الروائي الانكليزي يتحدث عن بعض أنظمتنا العربية الحالية، وأخيرا نالت رواية (1984) التي كتبها الروائي البريطاني الراحل جورج أور ويل جائزة أفضل رواية تكتب في عقد الأربعينات من القرن الماضي والتي عبر فيها الكاتب عن نبوءة سياسية في غاية الأهمية وذلك خلال استفتاء أجرته احدي أكبر الصحف البريطانية قبل فترة قصيرة.
لنا أن نتساءل ماذا تحوي أرشيفات الدول الدكتاتورية عن أدبائها المتمردين ومثقفيها؟ وبماذا يصاب من يطلع علي تلك الملفات؟.. الهلع والغضب.. وهل يكفي هذا؟!.. يصفر وجهه أمام تقارير الواشين وشكوك الشكاكين، وهل يكفي هذا؟! ترتجف أصابعه وهو يقرأ أوامر الإعدامات بحقهم، يصاب بالسعار فيعض أيدي رجال الأمن ويمزق صمت مكاتبهم بعويله العالي؟ ماذا يفعل الكاتب بعد أن تهوي تلك الأنظمة ويجد نفسه يبحث عن هذه الرواية السياسية التي يراها الكثيرون عبارة عن تنبؤ بأحداث انهيار جدار برلين وتفكك الإتحاد السوفييتي، رأيناها تتعدي معاداة الشيوعية وتتشبث في نبوءاتها بجميع أنواع السلطات بما فيها مدعي الحرية والاشتراكية وإعلامها المزيف الذي يقلب الحقائق لتتماشي مع مصلحة السلطة في وطننا العربي.
وكان الكاتب قد نشر روايته (1984) بعد أعوام من انتهاء الحرب العالمية الثانية وصدرت عام 1948 حيث تناول فيها شخصية مواطن يعيش في نظام شمولي يقوم يوميا ذلك النظام الشمولي بسحق الإنسان ومصادرة حرياته ووضعه تحت رقابة الكترونية علي مدار الساعة تتابع حركاته وما يقوله. كما يتناول الكاتب في روايته هذه أيضا فكرة قيام الأنظمة الدكتاتورية بمحاولة سرقة ثقافة الشعوب ولغاتها وإفراغها من بناها الإنسانية بما يخدم أهدافها، فضلا عن رفع شعارات متناقضة مثل الحرب من أجل السلام !
.. الكاتب الذي أقدم علي كتابة رواية 1984 في أربعينيات القرن العشرين، كأنه كان يعيش معنا في زمن غير زمنه وهذه حقيقة الإبداع، أنه في جوهره الكلي استقراء لأذواق وأعراف وأفكار ستولد فيما بعد. والرواية تتحدث عن سلطة الأخ الأكبر الذي يمثل الحزب الحاكم وأعوانه وعن شتي أنواع التعذيب والقمع اللذين سيتعرض لهما المواطن في تلك الحياة المرصودة بأجهزة الأخ الأكبر الذي يترصد كل حركاتك، همزاتك ولمزاتك، ليس هناك مكان تستمتع بحريتك فيه إلا تلك السنتيمترات المربعة داخل رأسك، وحتي تلك يمكنهم أن يترصدوها من خلال تعبير وجهك! نعم فعندما ينهار نظام دكتاتوري وينبش النباشون في أرفف المخابرات والأمن الخاص، ومديريات الأمن العامة، سيكتشفون غرائب لا يمكن تصديقها لأول وهلة: زوج يكتب عن زوجته التقارير اليومية طيلة عقود وقد حدث هذا في ألمانيا الشرقية حين انهارت، وهي فترة زواجهما، وذات الزوجة كانت تكتب عن زوجها أيضاً.. وهي مفارقة صنعها النظام الدكتاتوري ذاك وغذاها عبر أسوأ ما في الإنسان من غرائز.. ونتخيل رجل الأمن، أو الرفيق الحزبي، الذي يقرأ ما يكتبه المدرس عن تلاميذه، أو ما يكتبه الطلاب عن أستاذهم، وما تكتبه الزوجة عن زوجها، وما يكتبه الزوج عن زوجته، دون أن يعرف الجميع ما يفعله الجميع.. وأولئك الرجال الجالسون ببرود إلي مكاتبهم وأمامهم التقارير التي تصل بشكل يومي، يدونون ملاحظاتهم لمرؤوسيهم عما يلفت أنظارهم في التقارير المقدمة لهم.. إذن لا فرق بين أرشيف المواطنين العاديين في الأنظمة الشمولية المطلقة، وأرشيفات أدباء وكتاب البلاد! هؤلاء الذين يضيفون لأممهم عمقاً معرفياً أمام الأمم الأخري، ونتساءل هنا: من يعرف كولومبيا لولا ما كتبه عنها ماركيز؟ ومن يعرف نيجيريا لولا سوينكا؟ ومن يذكر البرتغال غير أنها أفقر دولة أوربية لولا ساراماغو؟ ومن يعرف مأساة الجنوب الأمريكي في الثلاثينات لو لم يكتب عنها وليم فولكنر؟!.
(2)
قبل أيام قليلة قرأت في شبكة الإنترنت قائمة أعدها الناقد العراقي ياسين النصير لكتّاب وفنانين عراقيين اعدموا في عهد صدام حسين وكان بين أولئك المعدومين كاتب مسرحي من أصدقاء طفولتي وشبابي حين كنا نعيش في البصرة جنوب العراق: انه الفنان سامي زبون، وكانت قد انقطعت عني أخباره منذ كنت في العراق وقد انتقلنا للعيش في بغداد في التسعينات وقد ظننت وقتها انه انقطع عن الإخراج المسرحي والتمثيل والكتابة وصار مقاولا في البناء أو مجرد دون جوان في أحد الدول الأوروبية وحقق ذاته مما كان ينقصه في بلاده، وتحقيق الذات في أوروبا له وجوه كثيرة وأحدها غلق باب الشقة والنوم حتي الضحي، والسكر حتي الثمالة مساء، والكتابة غير المنتجة الغائصة في هموم الذات ولوك آلام الماضي والبحث في المناسبات عن أنثي أو شتم غيره من خلال جهاز الهاتف أو الرسائل التي يدبجها ويرسلها لهذا وذاك من الناس منتظرا أن يهتم به من أرسل له ويجيبه بالسرعة نفسها، كما لو كان الجميع مثله يعيشون علي نفقة صندوق المنحة التي تصرف للعاطلين في أوروبا وأن خبزهم سهل، وشربهم سهل، وكرامتهم غير محفوظة ككرامته ولديهم الوقت الفائض ليجيبوا رسائل حضرته بالسرعة المطلوبة، ويبدو انه لم يكن من أولئك بل قضي هذا الفنان المجد الحقيقي، الصادق مع نفسه كل هذه السنوات العديدة منذ فارقته مع أهله في البصرة، مجرد فكرة طيبة عن الحرية والانعتاق عن عبودية السلطة في وطننا العربي ورموزها ومتطلباتها التي لا تنتهي من الفنانين والكتاب في محاولة دؤوبة لتتفيههم وجعلهم أرقاما في سجلاتها. قضي هذا الكاتب الفنان تلك السنوات في مقبرة صغيرة، وقد كان صادقا وأمينا مع نفسه وفنه، وغيره ممن بقوا أحياء كانوا يعيشون فوق أرض المقبرة وكانوا يحسدونه علي مكانه الكريم، وراحته الأبدية، ودوره الذي مثله بجدارة قبل أن يغادر. لم يكن في القائمة وحده ممن أعرفهم بل كنت أعرف أغلب من أعدموا م

المزيد





<p><iframe src="http://news.maktoob.com/user-newsticker?ids=6,7,9,10,11,12,13," scrolling="no" style="width: 100%; height: 40px"></iframe></p>