ريشة نجاة الخطيب تقدس الحرف لتعيد تشكيل المعنى
كتبهافيصل عبد الحسن ، في 6 أيلول 2007 الساعة: 19:03 م
شاعرية الماء
فيصل عبد الحسن*
عندما تنظر الفنانة نجاة الخطيب إلى ماضى أيامها متذكرة أى الخطوط والألوان تأثرت بها عندما كانت تجرب الرسم لأول مرة، فإنها ستنظر إلى لوحتها الحالية بعين الناقد والمحلل.
وليس معنى هذا أن الفنانة ستكتفى بالتقاط ذكرياتها بشكل باهت لا يروم من وراء التذكر إلا العكس الفيزيائى على القماش بالألوان، بل ستكون الفرشاة فى يدها أداة تعبيرية طيعة لنقل متخيلها الثقافى إلى متلق أرادته من نوع خاص، له المقدرة على التفاعل مع لوحاتها وفك رموزها التعبيرية، وتكويناتها التشكيلية المتميزة فى أساليبها وموضوعاتها، إذ تطور فهمهما لأهمية ما تقوم به من عمل فنى ولم يعد التشكيل أداة تعبيرية بالدرجة الأولى تتيح لها فرصة التعبير عما تعجز عن التعبير عنه بالكلمة، وصار التشكيل وسيلة نقل جمالى إلى اعلى مراحل النرفانا "الاستمتاع الروحى فى المفاهيم الشرقية" ألم نقل أن لوحتها تجعل الرائى يحلق إلى عالم فسيح اخضر، بالغ البساطة، دروبه مؤدية إلى ما يفرح الروح ويجعلها تواقة لبلوغ شيء يقع خارج المدركات العقلية.
ونتساءل هنا هل عرفت الفنانة أنها بخطها الجميل للآيات القرآنية والألوان الفيروزية لما يحيط بها جعلتنا نفكر: أن الرائى ربما إذا ركب الأمواج فى أى لوحة من لوحاتها سيبلغ هذه الذروة من السعادة المطلقة!
شاعرية خاصة
ترى العديد من الدراسات الحديثة أن العمل الفنى ينبغى أن يدرس بدرجة متساوية من ناحيتى التكوين والتلقي، ويقصد بالتلقى هنا، الأفعال المتضمنة فى الاستجابة لماهية اللوحة التشكيلية. فاللوحة ــ كعمل فنى ــ ببساطة "جوانب مخططة" يمكن من خلالها إنتاج الموضوع الجمالى للعمل الفني. ومن هنا يمكننا تأشير اتجاهين: الأول، هو الاتجاه الفنى "لوحة الفنان أو عمله الفني" والثاني، هو الاتجاه الجمالى "التحقق الذى ينجزه المتلقي"، وعلى الرغم من صعوبة التحقق من هذه العملية على اعتبار أن عملية التلقى هى عملية فردية لا يمكن قياسها بدقة، إلا إن ما تثيره اللوحة أو العمل الفنى فى نفوس أعداد كبيرة من المتلقين جعل من هذه الظاهرة مؤشرا لدى النقاد فى تشخيص النجاحات المستمرة للفنان عبر مسيرته الفنية وهى تقود أيضا للفنان"الظاهرة" فى ما بعد. 
مَنْ يتأمل لوحات التشكيلية المغربية نجاة الخطيب يأخذه التفكير العميق إلى الحدائق الغناء، حيث الأجواء الفيروزية، المرسومة من مزج اللون الأخضر والأصفر البارد، حيث تبدو الأشرعة والمياه مختلطة بالسماء وان جميع الطرق الملتوية فى كل لوحة تقودك إليها، وعند نهاية كل حزمة ممرات ستجد كلمات "آية قرآنية" ترفعك إلى اعلى قليلا، وقد حاولت أن ترسم السماء فى لوحات أخرى لتبدو فوق الأفق بشكل واقعي، والى الأسفل منها ترسم شكلاً تجريدياً، فبدت لوحاتها كما لو كانت مجزأة بين ثلاث مدارس تشكيلية، الواقعية والسريالية والتجريدية وربما هذه التأثيرات "التى هى فى الواقع متناقضة" حملتها الفنانة نجاة الخطيب معها منذ يفاعتها كما أخبرتني، فهى منذ كانت صبية تحب رؤية وتقليد رسومات لديلاكروا "الواقعية" وأخرى تجريدية لبيكاسو، والبعض الآخر "سريالية" لدالي، وربما تلك الرؤى لليافعة، بعيون غير مجربة، باحثة عن شيء تمسك به ويكون دليلها فى عالم اللون، والخط جعلها تمزج كل تلك التأثيرات لتعكسها فيما بعد فى لوحات عرضتها بسنت مونت بلية فى فرنسا عام 1999، فانبهر الفرنسيون بما رأوا كانت موضوعة معرضها ذاك شاعرية الماء وهو كما واضح من عنوانه بحث تشكيلى جديد فى انعكاسات الماء، وتشظى اللون إلى تدرجات كما لو تفعل ذلك مع شعاع يمر من خلال موشور، فتلتقط انعكاساته على قماش أبيض، ولم تكتف بذلك الشعاع المتلاشى بل أدخلت الحروف العربية على لوحاتها، فأضافت للتشكيل عمقاً روحياً يبحث عن أسرار الوصول إلى كهوف الغربيين ويرتاحون لمرأى رموزه مبثوثة فى هذه اللوحة وتلك، وحتى العربى الذى يقرأ تلك الكلمات العربية، فانه سيدهش للأفق الجمالى الذى تتيحه له إمكانات تلك الكلمات وما تثيره فى دخيلته من صور تفوق الخيال.
ويبدو ان نجاة الخطيب اختارت ما يقبع فى أعماقها من خلال "التلقيح العائلي" الدينى والموروثات العقائدية الاخرى التى يحفل بها الإسلام، فهى قد اختارت ما يعطى لوحتها التشكيلية بعداً مقدساً، فكل لوحة من لوحاتها "آية قرآنية" وينبغى أن تعامل بما يجب من تقديس.
وقد كان منطقيا إن نقول أن تجربة الفنانة جاءت عبر ثلاثية فنية، أولها تجربة الفنان المغربى عبد الله الحريرى الذى اوجد لأول مرة فى تاريخ "اللوحة التشكيلية المغربية" وضع الحروف العربية فى اللوحة، وتلك الحروف الثأثأة، والطأطأة، والتأتأة، وغيرها التى تجيء كما الطفل الذى يتعلم نطق الحروف لأول مرة مبثوثة فى اللوحة التشكيلية: ث ث ث أو ط ط ط أو حرف التاء، حيث تجيء الحروف مالئة فضاءات لوحاته، ومرة فى قاع اللوحة مضافة إلى حرف الإلف، إلى جانب رسم أدوات الإنسان التالفة، وأجزاء ملصقة "بعد حرقها" وكلها من مخلفات الإنسان، وتلى هذه التجربة تجربة الفنان العراقى ضياء العزاوى الذى تأثر به عبد الله الحريرى "وهو ما كشفه لى فى حوار أجريته معه قبل أربع سنوات فى مشغله ونشرته فى الصحافة اللندنية فى ذلك الوقت"، حيث استخدم ضياء العزاوى الشعر العربى فى الكثير من لوحاته، وانظر هنا رقى الاختيار، فالشعر المنُتقى مرتين، مرة انتقى كلماته الشعراء أنفسهم من لغة احتوت ربع مليون كلمة عربية، والمرة الثانية انتقاء الفنان لشعر الشاعر الذى سيكون مصاحبا لرسمه التشكيلي. وهنا لو أن الفنانة نجاة الخطيب اطلعت على تجربة الفنان العراقي، لقلنا أن التجربة تمت باختيار أفضل ما قيل فى العربية "الآيات القرآنية"، وهذا أعمق نوع من أنواع التعبير اللغوى الذى ينبغى أن يصاحبه ما يعطى الإيماءات البصرية بكامل الإحساس للرائى وانه سينتقل من بين ثنايا اللوحة إلى متعة روحية عميقة، وهناك تضيع الذات الفردية وتتحول إلى متعة دائمة كما يسمى الصوفيون تلك المرحلة من ذوبان المعبود فى ذات العابد.
مزيج الألوان
تجربة نجاة الخطيب مع اللون الفيروزى عميقة، فهى تمزج بين الأزرق والأصفر والأخضر، وأخبرتنى أنها فى مرحلتها الأولى كانت ترسم بالأسود والأبيض.
وقد استمرت فى هذه المرحلة زهاء سنتين وبضعة شهور وقد امتدت من بداية عام 1995 حتى منتصف سنة 1997 وكانت خلالها الخطيب ترسم بالحبر الأسود على الورق المقوي، وبعد ذلك استخدمت فى رسومها الألوان الزيتية وعلى القماش، وقد بدت الألوان الزيتية التى استخدمتها الفنانة فى البداية تبدو وكأنها لون واحد، وهى مزيج من اللون الأخضر والأصفر البارد، وهى مرحلتها الأولى للدخول إلى مرحلة استخدام الألوان.
وقد كانت فى مرحلة الأسود والأبيض ترسم بطريقة الفنانين السرياليين وإثناء مرحلة استخدامها للألوان أمضت سنتين وهى تتدرب على رسم "الشراع والماء، والسماء والبحر" وقد تدربت على رسم السماء بشكل خاص لتبدو فوق الأفق.
* كاتب وصحافى عراقى يقيم فى المغرب
نشر المقال في كل العرب الدولي الاسبوعي في 5/8/2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 22nd, 2007 at 22 سبتمبر 2007 2:52 م
من جد انسانه فنانه وانا نفسي اسير زيك
لاني الان انا بدرس فنون اسلاميه وحابه هذا المجال وشكرا