فيصل عبد الحسن *
يوميات بغدادية طرائف الحرب بالانجليزية في طبعة جديدة لكتاب يوميات بغدادية باللغة الانجليزية أقترن صدور طبعتها الثانية بمرور سنتين على وفاة مؤلفتها نهى الراضي التي هي أيضا فنانة تشكيلية عراقية معروفة ، والحديث عن هذه اليوميات سيكون بالتأكيد حديثا ذا شجون.. لن أتحدث هنا عن إبداعها في فن الخزف وقد كانت خزافة من الطراز الأول حيث مزجت الموروث الشعبي العراقي مع مشاهداتها المبكرة في الهند من طرائف وأحوال الناس وفنونهم بل سأتحدث عن يومياتها البغدادية التي اشتهرت بها بين الكتاب العراقيين والعرب ..أتذكر هنا أن بغداد كانت ترتجف خلال سطور يومياتها لا خوفا من آلة حرب الأجنبي بل مما عانته من ظلم الحكام والمتنفذين وظلم الأهل أكثر مضاضة وألما .. نعم كانت بغداد ترتجف خلال اليوميات وهي تنتظر انفجار القنابل ومرور صواريخ الموت والدمار فوقها ، وهدير ا لمقاتلات اللاتي لم يقابلهن سلاح قادر على إسقاطهن ، فأخذ الطيارون يلعبون بطائراتهم في سماء عاصمة السلام راسمين للملأ الكاظم غيظه الحروف الأولى من أسماء دولهم المشاركة في حرب الخليج الثانية، وقد جعل ذلك القلم يرتجف في يد الراضي وينزف دما لا مدادا ...
وكان كلبها الذي يلعب بين أكداس الأطعمة التي رماها الناس بعدما فسدت في الثلاجات والمجمدات بعد انقطاع التيار الكهربائي عن بغداد منذ بدء القصف الجوي في ليلة 17-18 كانون الثاني عام 1991 أكثر حيوية من كل الأحياء الآخرين ، ذلك الكلب الصغير- سلفادور - كلبها لا يزال يلعب ويركض وراء أطفال الحي حتى بعد موت صاحبته ، ويعض مؤخرات بنطلوناتهم هاشا باشا للجميع كأنما صاحبته لم تمت بعد، ولا يزال حديث الجارات وما يرددنه من إشاعات وأقاويل عن الحكومة وماذا ستفعل لتدارك الكارثة التي ستحيق بالجميع وهذه المرة عما سيؤول إليه مستقبل البلاد بماضيه العريض وحاضره ، لقد قسمت الراضي يومياتها إلى ثلاثة فصول .. عنونت الفصل الأول – فندق السعادة – وروت فيه يوميات القصف الصاروخي الليلي والنهاري لبغداد ، حيث يصير بيت الكاتبة في منطقة الصليخ مكانا ومأوى للعديد من الأقرباء الخائفين ، الوافدين من مناطق مختلفة من بغداد وخارجها ، وقد جاءت تسمية البيت - فندق السعادة - سخرية من الظروف الصعبة التي كانوا يعيشونها في تلك الأيام الضاجة بالموت والدمار ، ونسيت أن أشير إلى أن الكاتبة قد أهدت اليوميات إلى الشعب العراقي ، وقد كتبت إهداء مؤثرا قالت فيه - هذه اليوميات مهداة إلى الشعب العراقي وكل الآخرين الذين عانوا آثار الحصار المدمرة ، أشكر من كل قلبي شقيقتي سلمى التي جعلت نشر هذه اليوميات ممكنا ، ,اشكر توبي أيدي على دأبه – و شقيقة الكاتبة التي جاءت على ذكرها في الإهداء هي الدكتورة- سلمى الراضي- عالمة الآثار العراقية المعروفة ..وفي الفصل الثاني تناولت الكاتبة ظروف الحرب والحصار التي خنقت الناس في العراق وأطالت من عمر نظام صدام حسين ، وقد روت أيضا فيه الكثير من الطرائف ، حقا لقد روت طرائف في اليوميات عن الحرب لم يروها أحد قبلها أو التي حدثت إثناء ذلك الحصار ومن الطرائف التي حكتها.. أن امرأة حملت قدرا مليئا- بدولمة - مخدرة وهي نوع من الأطعمة العراقية هدية إلى حراس جامع أبي حنيفة ، فنام الحراس بعد أن أكلوا تلك- الدولمة - ونهب جماعة المرأة المكان ، السجادات ، الثريات ، كل شيء ، وتقول أن الحراس ناموا مدة يومين بعد تلك الوجبة المغشوشة .. وتتحدث عن الرشوة التي استفحلت في البلاد في تلك الفترة فتقول - أعطى احدهم رشوة ألف دينار ودلوا من الزبادي . توليفة غريبة - وحدثتنا عن مفارقة أخرى فقالت - استأجر سعيد غرفة في الخان مقابل طبقتي بيض في الشهر - وتحدثت الكاتبة في الفصل الثالث عن المنفى الذي صار قدر العراقيين ، تقول الكاتبة ، لدي الآن بصمة على جواز سفري بدلا من التوقيع ، فقد خرجت من العراق بوصفي أمية - وفي هذا الفصل تتسيد لغة اليأس وتفقد نهى الراضي لغة الانتقاد والطرافة والنكتة الذكية ، فهي تتحدث عن المرض والموت ، وتتحدث عن مراجعاتها للسفارات الأجنبية بحثا عن فيزا لبلد ما يقبل بها لاجئة فيه ، وها هي نهى الراضي ماتت بعيد ا عن وطنها في- بيروت- بعيدا عن كلبها سلفادور ، بعيدة عن حديقتها ودراجتها الهوائية وأشيائها التي تحبها كثيرا ، لن نقول وداعا لنهى الراضي أنها قريبة منا بما يكفي ويكفينا أن نعيد قراءة يومياتها فنستعيد طرافتها وفنها الراقي وصورها المكتوبة التي لا يمحوها الزمن من الذاكرة ... لقد حملت تباشير أيلول قبل ثلاث سنوات و-كما علقت وقتها على وفاتها- واصفا نسائم برودة الخريف الخجولة وأول سقوط لأوراق ذبلت ومع تلك الوريقات سقطت ورقة ندية من أوراق العراق التي أعطت للفح صيفه وسموم ريحه نداوة الفن الرهيف والكلمة المعبرة ويوميات بغداد التي كتبتها هذه الفنانة العراقية هي في حقيقة الأمر لوحات فسيفسائية عن الحياة العراقية في ظروف حرب مريرة كان المواطن العراقي ضحية حقيقية لها .. نهى الراضي التي عانت مع المرض الخبيث (1941-2004) لم تكن فنانة سيراميك أو خزف أو رسامة بورتريت بل كانت نحاتة للحرف العربي ، فأعطت المكتبة العراقية والعربية - يوميات بغدادية - الكتاب الذي روت فيه مأساة العراقي - المدني- وهو يقع بين فكي آلة الحرب الغربية من جهة ومن جهة أخرى ما كان يحسب عليه نظامه الدكتاتوري كل لفتاته وسكناته ... لقد أمضت نهى الراضي طفولتها في الهند فقد كان والدها سفير العراق في الهند في ذلك الوقت تعلمت في المدارس الانجليزية وانتقلت بعد ذلك إلى لندن لتكمل تعليمها في معهد بيام للفنون الجميلة متخصصة في فن الخزف وبعد إن تخرجت مارست التدريس في الجامعة الأمريكية في بيروت ، وقد عرضت إعمالها الفنية في الدول العربية وفي برلين ولندن وواشنطن .. عادت إلى العراق بعد ذلك لتعيش في بغداد قبل أن تغادر من جديد في سنة 1992 إلى لبنان بعد فترة معاناة امتدت لأشهر في الأردن .. وفي منفاها في لبنان عانت الفنانة مع المرض الخبيث حتى وافاها الأجل في أيلول عام 2004 وقد دفنت في مقابر الغرباء في بيروت .
نشرت في صحيفة الحقائق يوم 8/8/2007 انقر الوصلة لتدخل موقع الصحيفة رجاء :
http://www.alhaqaeq.net/defaultch.asp?action=showarticle&secid=5&articleid=78504
كتبها فيصل عبد الحسن في 05:34 صباحاً ::
الاسم: فيصل عبد الحسن
