ضد حياة القطيع والتطرف الديني ومع البحث عن الخلاص البشري …
يضعنا الكاتب البحريني عبد الله خليفة في روايته الجديدة الأقلف في إشكالية الصراع العقائدي - الديني - مع الآخر وما حمله المستعمر الأجنبي لمنطقتنا العربية بداية القرن الماضي مما كان يعتقده ضروريا لتكريس وجوده في منطقتنا لفترة طويلة ، فاستخدم الإرساليات التبشيرية ، التي باشرت أعمالها من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لسكان المناطق ، وأغلب تلك الإرساليات جاءت على شكل بعثات صحية وتعليمية لمساعدة السكان العرب ومن خلال عملها ذلك كانت تحتك بهم فكريا وعقائديا لتغيير قناعاتهم الدينية والفكرية ، بالرغم من أن القائمين على تلك الإرساليات - كما يخبرنا الروائي في متنه الروائي - غير مؤمنين بما يقومون به من فعل عقائدي وأن عملهم كان ستارا لتكريس وجود دولهم الاستعماري في المنطقة من خلال البحث عن أتباع محليين يمكن تجنيدهم بمختلف وسائل الإغراء ، ومن بين تلك الإغراءات ، استخدام الجنس من خلال توظيف الممرضات الأوربيات الجميلات للتأثير على الشباب المحليين من السكان العرب وتغيير قناعاتهم الدينية ، كما في حالة علاقة يحيى - بطل الرواية - وميري الممرضة في مستشفى الإرسالية الأمريكية واللقاءات الغرامية التي كان يشجعها تومسون الكنائسي والطبيب بالمستشفى بيحيى المشرد الذي لا أصل له ولا عائلة ، فتجد فيه ميري النموذج الأمثل ، للتنصير ، وتأتي الرمزية العالية في الرواية عندما يشير الروائي إشارة دالة إلى هذا النموذج الروائي ، الطفل يحيى الذي وجد نفسه بحالة لم تكن مألوفة في مجتمعه ، فهو لم يختن كباقي الأطفال في الحي الذي يعيش فيه ، فهو أقلف ، لا ينتمي إلى ميثولوجيا وعقائد - أهل حيه - الذين يعتقدون بنجاسته بسبب ذلك وتعود سنة الختان إلى النبي إبراهيم عليه السلام ، والختان ميثاق بينه وبين الخالق ، وقد ورد ذلك الميثاق في التوراة في النص القائل : - وقال الله لإبراهيم : أما أنت فتحفظ عهدي بيني وبينكم ، يخـتـتن كل منكم ، فتختنون في لحم غرلتكم ، فيكون علامة عهد بيني وبينكم ، فيكون عهدي في لحمكم عهد أبيا-*
التطرف الديني
وعبد الله خليفة عندما اختار بطله من عامة الناس ومن أكثر الطبقات بؤسا فقد كان يختار النموذج الذي يصلح لممارسة التغيير الديني عليه (التنصير) ، فيحيى لقيط وجدته عجوز صماء وبكماء - والكاتب هنا يشير إلى أن لا تأثير للتربية العائلية على بطله - وأننا أمام (نموذج خام) يمكن أن يقع تحت تأثير جميع المؤثرات الفكرية المستقبلية ، وحدبت عليه هذه العجوز بعطفها وأطعمته مما تلتقط كل يوم من المزابل ، وكبر يحيى في كوخ يقع بين أكواخ تمتلئ بعبيد سابقين ، وفرق الرقص ومنازل الشاذين وشلل القمار والرجال الازكرت ليتراءى له البحر من الشرق وإلى غرب كوخه تمتد مستنقعات وأكواخ متناثرة وبنايات قليلة ومقابر غريبة - ص 5 - وبالرغم من أن دولة البحرين ، جغرافيا ليست لها مساحة كبيرة وشعبها قليل العدد ، وعادة تكون البلدان الكبيرة هي الأكثر مادة للروائي حيث يكون متنه الروائي غنيا بالأحداث والشخصيات والصراعات وتشابك المصالح ، إلا أن -عبد الله خليفة - استطاع أن يجد مادة مضطرمة بالتصادمات الفكرية كصراع الأديان من جهة ، وصراع الدين الواحد من خلال معتنقيه ، وعادة يكون الصراع بين المتطرف دينيا وبين معارضيه من الديانة ذاتها ومعاناة الإنسان العربي بسبب تراكم أحقاب من التخلف ، الثقافي والسياسي ، والكبت العام الذي يعانيه الشاب العربي في حاجاته الجسدية والنفسية ، وبالرغم من محدودية الأجواء التي ينتقل بها بطل الرواية ، والتي لا تتعدى الأميال القليلة ، التي هي مساحة عالمه الجغرافي إلا أننا شعرنا - بسبب استخدام الكاتب للغة شعرية في السرد وحتى في الحوار - إننا إزاء مساحة جغرافية مترامية الأطراف ، وفي مجتمع ضاج بالمتغيرات والصراعات والحيوات والمستجدات السريعة وصرخة البطل ، توضح لنا مدى الأزمة التي عاناها الكاتب ليكتب لنا نصا كالأقلف يعتمد الكثير من وجهات النظر المتعارضة ، واستمع إلى صرخة البطل ، التي هي في وجه من الأوجه صرخة الكاتب ذاته : أنا لا أنتمي إلى هذا الخوص الكالح ، ولقضاء الحاجة في الخلاء ، وللأبواب الواقفة على زجاجات تئن ، ونهارات رمضان المقفرة ، ولحرق جثث الأطفال بالأسياخ - ص 85 - ويصاب سكان الحي الذين يعيش بينهم يحيى بالذهول عندما يعرفون بتنصيره ، فتسأله عائشة المبروكة مدهوشة :
- هل سيعطونك أرضا وبيتا عندما تصير نصرانيا ؟
- أبــدا ! !
- إذن لماذا تعذب نفسك ، الناس هنا لا يفهمون ! -




























القاص محمود عبد الوهاب
كاظم الحجاج
حسين عبد اللطيف

















